أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار » آراء حره » بِلال فضل يكتُب : حَرِب السيسي على الإنترنت

بِلال فضل يكتُب : حَرِب السيسي على الإنترنت

عندما يكون تصوُّرُك لِتاريخِك وماضيِك ، مبنيّا على مجموعة مِن الأكاذيب والأوْهام ، يكون بديهيّا أنّ تُكرر خطايا الماضي بِحذافيرِها ، وحين يُعيد ذلِك إنتاج كوارِث الماضي ، فتهرُب مِن مواجهة خطاياِك ، وتقوم بِتحميل مسؤوليّتِها لِلمُؤامرات الدّاخِليّة والخارِجيّة ، ستأتي حتما مِن بعدك أجيال تحمِل تصوُّرا مُزيّفا ومُشوّشا لِتاريخِها وماضيِها ، فتُكرِّر أخطاءك نفسُها ، وتُنتِج الكوارِث نفسُها ، بِخيْبة أشِدّ كثافة وضحايا أكثُر عددا .

يزداد تأثير تِلك الدّائِرة الملعونة ، حين يخلو المُجتمع مِن مُؤسّسات شعبيّة تُساعِدُه على حِمايَة ذاكِرتِه مِن النِّسيان ، وتُقاوِم فرض القِراءة الرّسميّة لِلتّاريخ الّتي يتبنّاها أصحاب السُّلطة وحلفاؤُهُم مِن جماعات المُصالِح ، ومع أنّه لم يعد هُناك مكان لِتعبير ( مُتّفق عليه )، في عصر صار فيه التّقدُّم قرينا بِالاِختِلاف والتّنوُّع في الرُّؤى والتّصوُّرات ، وأصبح عبثيا أن نطلُب وُجود قِراءة وحيدة لِتاريخِنا ، إلّا أنّ مُجتمعنا ، لِلأسف ، يُعاني دائِما مِن طموح حُكّامِه في الشّرّ وحدّه ، إذ إنّ الرِّوايَة الرّسميّة الّتي يسعوْن لِفرضها ، مبنيّة أصلا على تشكيلة مِن الأكاذيب والأوْهام ، ولعلّك في ظلّ إدراك هذا ، تفهُّم سعي نِظام عبد الفتّاح السيسي إلى إحكام سيْطرتِه على وسائِل الإعلام ، واسِعة الاِنتِشار الحُكوميّة والخاصّة ، لِكي لا تُصبِح فقطّ ألسنا تُردِّد ” رِوايَتُه الميْري ” الّتي يرغب في تعميمِها على كُلّ المواطِنين مِن ” لابِسي العِمّة اِختيارا أو اِضطِرارا “، بل لِتُصبِح تِلك الوَسائِل أذرعا تُؤدِّب كُلّ مِن يرفِض الرِّوايَة السيساوية لِلتّاريخ القريب الدّامي ولِلواقِع الآني المعكوك ، وتغتال معنويّا كُلّ من يذكُر النّاس بِما توَرُّط فيه السيسي ونِظامُه مِن جرائِم وأكاذيب .

لا يُمكِن أنّ تفصُّل هذا أيضا عن سعي نِظام السيسي إلى تحجيم دوْر الإنترنت ، لِكي لا يُستخدم كسِلاح لِتقويَة الذّاكِرة الشّعبيّة ، أو كإعلام بديل غيْر قابِل لِلشكم ، حيْث يتفنّن ترزيّتُه القانونيّون في إصدار تشريعات تحلُم بِالسّيْطرة على فضاء الإنترنت الرّحب ، آخرها إصدار قانون تُجرِّم بعض موادِّه الإرسال الإذاعي عبر الإنترنت لِلقضاء على الإذاعات الشّبابيّة المُزعِجة . وفي الطّريق قانون آخِر يُبيح حُجُب مواقِع إنترنت مُعيّنة ، بعد اِستِصدار أحكام تتّهِمُها بِدُعُم الإرهاب واِلسعي إلى إسقاط الدّوْلة ، وهو ما سبق أنّ فعلته أنظِمة عربيّة قمعيّة مع مواقِع إنترنت عديدة مُتمرِّدة .

في الوَقت نفسُه ، تتزايَد ، أخيرا ، أعِداد المُعتقلين بِسبب نشاطِهُم على الإنترنت ، والّذين يوَصِّمون بِتُهمة الإرهاب ، في غفلة مِن المُؤسّسات الدّاعِمة لِحُرّيّة التّعبير الّتي تتعرّض أصلا لِضربات مُتتاليَة ، ولوْلا أنّ السيسي ما زال بِحاجة لِلدُّعُم الدّوْليّ الماليّ ، لمّا توْرُع مِثل غريمِه ، أردوغان ، عن اِستِخدام سِلاح القضاء ، ضِدّ مواقِع التّواصُل الاِجتِماعيّ الّتي تُجلِب له الصُّداع ، بعد أنّ فُشِلت أجهِزته في ترويضِها التّامّ ، على الرغممن أنّها اُستُغِلّتها مِن قبل في نشر الأكاذيب والتّشنيعات ضِدّ مُعارضيِه .

في الآوِنة الأخيرة ، لُعِبت مواقِع الإنترنت المُختلِفة دوْرا مهما ، في فرملة الاِندِفاع العسكري إلى حرب اليَمن ، حيْث تمّ تداوُل عِشرات الموْضوعات والبوستات والتّغريدات الّتي تستعيد وقائِع مأساة حرب اليَمن في عهد عبد النّاصِر ، وتُذكِّر بِجرائِم إعلام الصّوْت الواحِد ، وكُشِفت بعضا مِن المسكوت عنه في مِحنة سيُناء ، وما يدور فيها مِن حرب داميَة ، يدفع ثمنها الجُنود والضُّبّاط والمدنيّون ، دون أن تظهر تأثيرا حقيقيّا على قُدرات الإرهابيّين حتّى الآن . ولِأنّ كثيرين فقسوا فولة وسائِل الإعلام الخاصّة ، مُنذ سُمِعوا عِبارة ” بتكتب ورايا يا أحمد “.

 

لِذلِك ، لم يعد يُخيِّل عليهُم الاِستِئساد المُفاجِئ لِعرائِس التوك شوّ ، وهو ما ضاعف مِن مِصداقيّة الإنترنت وأهمّيّته ، بِشكل ستُدرِك أهمّيّته أكثر ، حين تقرأ وقائِع التّعامُل الإعلامي مع حرب اليَمن في عهد عبد النّاصِر ، وكيْف تمّ تصويرُها أوَلا لِلشّعب مُهِمّة سهلة أقرُب إلى العمليّة التّدريبيّة ، ولم يتّضِح كيْف صارت مأساة داميَة إلّا بعد فوات الأوان .

في هذا الصّدد ، لُفِت اِنتِباهُي ما رواه كمال حَسن عليّ في مُذكّراتِه عن اِشتِعال الخِلاف بيْن عبد النّاصِر وعبد الحكيم عامِر ، وكيْف كُتُب عامِر ، بِكُلّ ثِقة ، مُذكِّرة ناريّة بِتاريخ 7 سِبتمبر / أيْلول 1967 ، يُلقي فيها مسؤوليّة حرب اليَمن على ناصِر وحدِه ، لِأنّه ” أدخل الجيْش في الحرب مِن دون دِراسة ولا تجهيز “، ولم يجِد بِالطّبع قوّة شعبيّة تذكُرُه ، أنّه قبل ذلِك بِأشهُر ، وتحديدا في 24 أبريل / نيْسان 1967 نتع خُطبة عصماء قال فيها :” سوْف نبقى في اليَمن عِشرين عاما حتّى لا يُعوِّد اليَمن إلى الوَراء “، ومع أنّ هذا النّوْع مِن البجّاحة والاستنطاع الرّسميّ ما زال مِن سنن الحُكم المُؤكِّدة في مِصر ، إلّا أنّ وُجود الإنترنت الآن يجعله أصعب ، ليُعرقِل كثيرا مِن مُحاوَلات إفلات السيسي ، بِكثير مِن أكاذيب وجرائِم نِظامِه ،” مِن أوّل فضيحة جِهاز الكفتة وأنت نازِل ومتدحدر “.

حِفظ الله الإنترنت ، ليَحفظ لِمِصر ذاكِرتِها ، فلا أمُل في أيّ تغيير ، بِدون ذاكِرة يقِظة .

 

بلال فضل – العربي الجديد – جميع الحقوق محفوظه للمصدر ويتحمل مسؤولية المقال بدون أدنى مسؤوليه على بوابة نايل دوت نت أو القائمين عليها. 

شاهد أيضاً

محمد يوسف يكتب: فيتامين الروتين

من منا ﻻ يشعر يشعر احيانا بحالة من الملل واﻻكتئاب مما يعيشه ويلمسه فى واقع …